طنوس الشدياق
207
أخبار الأعيان في جبل لبنان
وسنة 1293 انفذ الملك محمد بن الناصر ابن قلاون منشورا إلى اقوش الافرم نائب دمشق وإلى اسندمر نائب طرابلوس والى سنقر المنصوري والى امراء الغرب التنوخية يأمرهم باجتماع الجيوش لمحاربة كسروان وأهل الجبال واطمعهم في أن من نهب امرأة كانت له جارية أو صبيا كان له غلاما ومن اتى منهم برأس مقتول كان له دينار لان المذكورين كانوا نجدة الإفرنج . وكتب لاجين نائب دمشق إلى الأمير جمال الدين حجي والأمير زين الدين بن علي التنوخيين يأمرهما بملاقاة سنقر إلى جهة كسروان فاغواهما الطمع وتوجها إلى خارج بلاد جبيل . فلما بلغ خبرهما صاحب جبيل ادخل ما قدر عليه من الرجال والأثاث في السفن وذهب بهم في البحر فكسرت العساكر الأبواب ونهبوا المدينة . واما سكان الجبال فأقاموا كمينا في وادي المدفون وكمينا في نهر الفيدار لحفظ الطرقات والمذاهب . وحينئذ اندفقت سكان الجبال على جيوش الاسلام اندفاق الماء المنهمر . ووثبوا عليهم وثبة النمر . وكانوا ثلاثين مقدما بثلاثين ألفا ما عدا الكمناء المذكورين والتحم القتال بين الجيشين فاقتحم مقدم مشمش على قائد جيش الاسلام واحتز رأسه وتبعه باقي المقدمين برجالهم فعلت الصرخات وارتفعت الوجبات . وانصمت الآذان من اصطكاك السيوف وقعقعة السلاح واجفلت الوحوش وانحطمت الغابات . وخرّت الصناديد على البطحاء تمج علقما ونجيعا وتاقت السيوف لتقبيل الأجياد والرماح لعناق اللبات . وخلت السروج من ركابها . والصافنات من احبابها . وجرت الوديان عوض الماء دما . واجرت الينابيع عوض الزلال عندما . ورفع الضرغام صوته فأجابت قمم الجبال النداء . وأشار بذباب سيفه نحو الرقاب فانحنت له الرؤوس سجدا . فما انكشف قتام الغبار . ولا انجاب ظلام الاكفهرار . حتى وقعت الكسرة على جيوش الاسلام . وتمزقت منهم الكتائب والاعلام . ودخل المردة المدينة والحقوا من داخلها بخارجها وذهبوا كل مذهب . وتفرقوا تحت كل كوكب . والذين انهزموا نحو المدفون والفيدار وقعوا بيد المردة فأفنوهم بحد السيف . ثم وافت نجدة من طرابلوس فتلقاها عسكر وادي المدفون عند وادي الزلان فهزمها وقتل مقدم حردين وما سلم من الجيش الا النوبة وبعض من الفرسان ولا زالوا يوسعونهم كدا ، ويسابقونهم جدا حتى لحقوا امراء العرب وكتائبهم فمالوا عليهم كل الميل . وجرعوهم حمام المنايا بكيل اي كيل . ونثروهم سهلا وفجاجا . ونظموهم افرادا وأزواجا . وقتلوا منهم الأمير محمدا وأخاه الأمير احمد ابني محمد بن كرامة التنوخي في نيبيه ، واحرقوا عين صوفر وشمليخ وعين زوينة وبحطوش وغيرهنّ من قرى الغرب . ولما عادوا إلى بلادهم